حصانة أموال الشركة المصرية للاتصالات من الحجز الإداري .. في ضوء فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة رقم 491/1/54.
فتوي الجمعية العمومية لقسمي الفتوي والتشريع بمجلس الدولة ملف رقم ٤٩١/١/٥٤ بعدم جواز توقيع الحجز الإدارى على أموال الشركة المصرية للاتصالات.
أصدرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوي والتشريع بمجلس الدولة فتواها بشأن مدى جواز توقيع الحجز الإدارى على أموال الشركة المصرية للاتصالات.
تُعد فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة (ملف رقم 491/1/54) من الفواصي المحورية التي رسمت الحدود الفاصلة بين "امتيازات الدولة في التحصيل عبر الحجز الإداري" و"حصانات الاعتبارية الخاصة الخاضعة لقوانين الاستثمار والشركات".
وقد حسمت الفتوى الجدل حول جواز توقيع الحجز الإداري على أموال "الشركة المصرية للاتصالات" (كإحدى كبرى شركات المساهمة المصرية) لتحصيل مستحقات الجهات الإدارية، مقررةً أن الطريق الوحيد للتحصيل هو "القضاء العادي" وليس "الإدارة المباشرة".
أولاً: وقائع النزاع والإشكالية القانونية
تتمحور وقائع الموضوع حول قيام مركز ومدينة منوف بتأجير قطعة أرض لهيئة المواصلات السلكية واللاسلكية (وهي هيئة عامة ذات نفع عام) عام 1978 بإيجار اسمي زهيد. وفي عام 1998، صدر القانون رقم 19 لسنة 1998 بتحويل الهيئة إلى "شركة مساهمة مصرية" تُسمى (الشركة المصرية للاتصالات)، لتنتقل من دائرة أشخاص القانون العام إلى أشخاص القانون الخاص.
بناءً على هذا التحول، رأت الوحدة المحلية أن التخصيص قد زال، واستحقت مقابلاً للريع عن الفترة من 1998 حتى 2006، وقامت عام 2008 بـتوقيع الحجز الإداري على أموال الشركة لدى الغير لتحصيل مبلغ 868,500 جنيه.
الإشكالية:
تعارضت المواقف القانونية والقضائية حول هذا الإجراء؛ فبينما أيدت بعض فتاوى مجلس الدولة السابقة وحيثيات حكم إشكال صحة الحجز الإداري، قضت محكمة الاستئناف ببطلانه. مما أثار تساؤلاً جوهرياً: هل يجوز للجهة الإدارية توقيع الحجز الإداري على أموال شركة مساهمة خاضعة لقانون الاستثمار وشركات المساهمة لتحصيل مستحقاتها؟
ثانياً: حيثيات ومبررات الجمعية العمومية (المنهجية القانونية)
اعتمدت الجمعية العمومية في فتواها على منهجية قانونية رصينة تستند إلى التدرج في القواعد القانونية، وتغليب النصوص الخاصة على العامة، ويمكن تلخيص مرتكزاتها في النقاط التالية:
1. زوال الصفة العامة وزوال التخصيص:
أقرت الفتوى أن تحول الهيئة إلى شركة مساهمة يعني انتقالها إلى دائرة "أشخاص القانون الخاص"، مما ينهي حالة "التخصيص" التي كانت تخضع لها الأرض، وتتحول العلاقة إلى علاقة تعاقدية مدنية (إيجار/انتفاع) تخضع للقانون المدني، ولا يجوز فيها للجهة الإدارية التعسف في استخدام امتيازاتها السيادية.
2. الحماية الخاصة لأموال الاستثمار (القاعدة الخاصة تقيد العامة):
استندت الفتوى إلى أن نشاط الاتصالات يُعد من "البنية الأساسية" المشمولة بحماية قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997.
وقد نصت المادة (9) من هذا القانون صراحةً على: "لا يجوز بالطريق الإداري فرض الحراسة على الشركات والمنشآت أو الحجر على أموالها أو الاستيلاء أو التحفظ عليها أو تجميدها أو مصادرتها".
وبالتالي، فإن المشرع قد أخرج أموال هذه المشروعات من نطاق "التنفيذ الإداري المباشر" (قانون الحجز الإداري رقم 308 لسنة 1955) وأخضعها لـ "التنفيذ القضائي" حمايةً للاستثمار.
3. أثر القانون رقم 94 لسنة 2005 (توسيع مظلة الحماية):
دحضت الفتوى الحجة التي قد تُثار بأن الشركة المصرية للاتصالات لم تُؤسس حديثاً وفقاً لقانون الاستثمار، بل تحولت من هيئة عامة. واستندت في ذلك إلى المادة (7) من القانون رقم 94 لسنة 2005، والتي مددت الحصانات والضمانات الواردة في قانون الاستثمار لتشمل جميع الشركات المؤسسة وفقاً لقانون شركات المساهمة (رقم 159 لسنة 1981) وقانون التجارة.
وبما أن القانون رقم 19 لسنة 1998 نص على خضوع الشركة المصرية للاتصالات لأحكام قانون شركات المساهمة، فإنها تتمتع تلقائياً بنفس الحصانة من الحجز الإداري.
4. القاعدة الأصولية: "الخاص يقيد العام":
أكدت الجمعية العمومية أن قانون الحجز الإداري (قانون عام) لا يجوز تطبيقه على أموال تخضع لقوانين خاصة (قانون الاستثمار وقانون شركات المساهمة) التي حظرت الحجز الإداري صراحةً، ما لم يرد نص لاحق يلغي هذا الحظر، وهو ما لم يحدث.
ثالثاً: منطوق الفتوى والآثار القانونية
انتهت الجمعية العمومية إلى:
"عدم جواز توقيع الحجز الإداري على أموال الشركة المصرية للاتصالات لتحصيل ما عساه يستحق للوحدة المحلية من مقابل الانتفاع، ولا سبيل أمام الوحدة المحلية لاستئداء هذا المقابل إلا من خلال اللجوء للقضاء بطريق الدعوى العادية وفقًا لأحكام قانون المرافعات."
الآثار القانونية المترتبة على هذه الفتوى:
1. حسم الجدل حول الشركات المحولة: أكدت الفتوى أن الشركات التي تم تحويلها من هيئات عامة إلى شركات مساهمة (مثل الاتصالات، والبترول، وقطاع الأعمال العام) تتمتع بنفس حصانات شركات الاستثمار من الحجز الإداري، طالما تخضع لقانون شركات المساهمة.
2. تقييد سلطة الجهات الإدارية: سحبت الفتوى البساط من تحت أقدام الجهات الإدارية (الوحدات المحلية، المصالح الحكومية) في استخدام "الحجز الإداري" كأداة ضغط أو تحصيل سريع ضد شركات القطاع الخاص وشركات المساهمة.
3. تقرير مبدأ المساواة في التنفيذ: أصبح موقف الجهة الإدارية الدائنة مساوياً لموقف الأفراد العاديين؛ فلا يحق لها الحجز الإداري، بل يجب عليها رفع دعوى قضائية، والحصول على حكم، ثم التنفيذ عبر محكمي المحكمة وفقاً لقانون المرافعات.
4. تعزيز بيئة الاستثمار: جاءت الفتوى لتؤكد الفلسفة التشريعية للدولة في تحصين الأموال والمنشآت الاقتصادية من التجميد أو التعطيل بسبب نزاعات تحصيلية إدارية، مما يضمن استمرارية دوران عجلة الاقتصاد.
خاتمة:
تُمثل فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع رقم 491/1/54 ركيزة قانونية دستورية وقانونية في آن واحد؛ فهي من ناحية تُرسخ سيادة القانون وتغليب النصوص الخاصة الداعمة للاستثمار، ومن ناحية أخرى تُعيد رسم خريطة "التنفيذ الجبري" في مصر، مؤكدة أن امتيازات السلطة العامة في التحصيل لا تمتد لتمويل شركات المساهمة التي اختار المشرع إلباسها ثوب القانون الخاص لحماية أموالها ومستثمريها.
توصية عملية للإدارات القانونية:
يجب على كافة الجهات الإدارية والوحدات المحلية التوقف الفوري عن إصدار قرارات بالحجز الإداري على أموال شركات المساهمة (سواء كانت خاضعة لقانون قطاع الأعمال أو الاستثمار)، وتوجيه إدارات الشؤون القانونية برفع الدعاوى القضائية العادية لتقدير المستحقات وتحصيلها عبر قنوات التنفيذ القضائي، تجنباً لبطلان إجراءات التنفيذ وتحمل الدولة أتعاب ومصاريع دعاوى التعويض عن التنفيذ الخطأ.
وعليه قد إنتهت فتوي الجمعية العمومية إلي :
انتهت الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع، إلى عدم جواز توقيع الحجز الإدارى على أموال الشركة المصرية للاتصالات لتحصيل ما عساه يستحق للوحدة المحلية لمركز ومدينة منوف من مقابل الانتفاع .
فتوي الجمعية العمومية لقسمي الفتوي والتشريع بمجلس الدولة ملف رقم ٤٩١/١/٥٤

تعليقات
إرسال تعليق