نقلة نوعية في التشريعات العقابية: قراءة تحليلية في القانون رقم ١٨٥ لسنة ٢٠٢٣ بشأن تشديد عقوبات التحرش الجنسي
في إطار مساعي الدولة المستمرة لحماية المجتمع وصون كرامة أفراده، ومواجهة الظواهر الدخيلة التي تمس الأمن المجتمعي، صدر القانون رقم 185 لسنة 2023 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، والمنشور بالجريدة الرسمية (العدد 48 مكرر) بتاريخ 4 سبتمبر 2023. يمثل هذا التشريع خطوة تشريعية جادة نحو تغليظ العقوبات على جريمة "التحرش الجنسي"، مع إحكام القبضة الأمنية على المتحرشين، خاصة في حالات استغلال النفوذ أو المساس بالفئات الأكثر عرضة للخطر.
1. التجريم الشامل: من الفعل المادي إلى الفضاء الإلكتروني
لم يعد التحرش في مفهوم المشرع الحديث قاصراً على الاعتداء المادي فحسب، بل توسع التعديل الجديد للمادة (306 مكرر أ) من قانون العقوبات ليشمل كل أشكال الإيحاءات والتعديات.
عَرّف المشرع التحرش بأنه كل قول أو فعل أو إشارة بأي وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصال السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، يهدف إلى الإتيان بأفعال أو اقتراحات جنسية.
وقد وضع القانون عقوبة رادعة للحد الأدنى من هذه الجريمة، تتراوح بين السجن لمدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 3 سنوات، وغرامة تتراوح بين 100,000 و200,000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
2. تشديد العقوبة: سد الذرائع واستغلال النفوذ
أدرك المشرع أن خطورة التحرش تتضاعف عندما يقترن بظروف مشددة، خاصة تلك التي تنطوي على استغلال للسلطة أو تكرار للجريمة. لذا، جاءت المادة (306 مكرر أ) لتشدد العقوبة لتصل إلى السجن لمدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز 5 سنوات، وغرامة من 200,000 إلى 300,000 جنيه، في عدة حالات جوهرية، أبرزها:
تكرار الجريمة (العود).
الظرف المهني والوظيفي: إذا وقعت الجريمة في مكان العمل، أو من خلال وسائل النقل، أو إذا كان الجاني قد أودع الجريمة في مكان ارتكابها.
السلطة والنفوذ: إذا كان للجاني سلطة على المجني عليه، أو علاقة تربطه به في نطاق العمل أو الدراسة.
ولم يتوقف التشديد عند هذا الحد، بل ذهبت المادة (306 مكرر ب) إلى تغليظ العقوبة لتصل إلى السجن من 3 إلى 7 سنوات، وفي حال وجود ظروف مشددة أخرى أو اجتماعها، تصل العقوبة إلى السجن من 5 إلى 10 سنوات، إذا كان الجاني ممن لهم سلطة على المجني عليه (كالمدير، المشرف، المعلم، أو من له سلطة تربوية أو علاجية).
3. درع الحماية للفئات الأكثر ضعفاً (القاصرون وذوو الإعاقة)
تجلت الإنسانية والعدالة الاجتماعية في المادة (309 مكرر) من القانون، والتي أولت حماية خاصة للفئات التي لا تقوى على الدفاع عن نفسها.
إذا وقعت جريمة التحش على حدث لم يبلغ 18 سنة، أو على شخص من ذوي الإعاقة، أو كان المجني عليه تحت سلطة الجاني أو ولايته أو وصايته، أو كان الجاني ممن لهم سلطة تربوية أو علاجية عليه، تكون العقوبة السجن لمدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز سنتين، وغرامة من 100,000 إلى 200,000 جنيه.
والأهم من ذلك: أنه إذا اجتمعت هذه الحالة مع الظروف المشددة الأخرى، فإن المشرع لم يتردد في إقرار أقصى درجات العقاب، حيث تصل العقوبة إلى السجن المؤبد.
يُعد القانون رقم 185 لسنة 2023، الذي دخل حيز التنفيذ في 5 سبتمبر 2023، رسالة حاسمة من المشرع المصري مفادها أن "الكرامة الإنسانية" خط أحمر. لقد نجح هذا التعديل في مواكبة التطورات التكنولوجية بتجريم التحرش الإلكتروني، وفي حماية بيئة العمل والمؤسسات التعليمية من استغلال النفوذ، والأهم من ذلك، أنه وفر درعاً حصيناً للأطفال وذوي الإعاقة. إن تغليظ العقوبات المالية والسجنية، ووصولها إلى السجن المؤبد في أقسى صورها، يهدف إلى تحقيق "الردع العام والخاص"، والقضاء على ثقافة الإفلات من العقاب في مثل هذه الجرائم.



تعليقات
إرسال تعليق