تعدد الزوجات في الإسلام بين الأصل الشرعي وضوابط العدالة في ضوء القضاء الدستوري
يُعدّ موضوع تعدد الزوجات من القضايا التي تثير جدلاً واسعاً في المجتمعات المعاصرة، بين مؤيد يراه حلاً اجتماعياً وشرعياً، ومعارض يراه إجحافاً بحقوق المرأة. ولتوضيح الصورة على أسس علمية وقانونية، لا بد من العودة إلى المصدرين الرئيسيين: النص القرآني الصريح، والتطبيق القضائي المتمثل في أحكام المحكمة الدستورية العليا المصرية التي فصلت في هذا الشأن بدقة فقهية وقانونية.
أولاً: الأصل القرآني.. إذن لا وجوب:
جاءت النصوص القرآنية واضحة في شأن التعدد، حيث قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [سورة النساء: 3].
لقد أوضح الفقهاء والمحاكم الدستورية أن صيغة الآية تفيد الإباحة والإذن، لا الوجوب أو الأمر الحتمي. فكما قررت المحكمة الدستورية العليا في حكمها التاريخي (القضية رقم 35 لسنة 9 قضائية دستورية بجلسة 14/8/1994)، فإن النصوص لا تفيد نهياً عن الجمع ولا أمراً لازماً به، بل هي رخصة شرعت لحاجات بشرية واجتماعية، ضمن إطار من الوسطية والاعتدال.
ثانياً: العدالة.. القيد الجوهري وليس شرط النشوء
شرط تعدد الزوجات الأساسي هو القدرة على العدل بين الزوجات في المعاشرة والمأوى والنفقة. وقد نبه القرآن إلى هذا القيد بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
وأكدت الأحكام الدستورية أن العدل هنا هو قيد على ممارسة الحق وليس سبباً لنشوئه، بمعنى أن التعدد مشروع أصلاً، لكنه مقيد بعدم الخوف من الجور. فإن خشي الرجل عدم القدرة على التسوية، وجب عليه الاقتصار على واحدة صيانةً للحقوق ومنعاً للظلم.
ثالثاً: الموقف القضائي.. توافق مع الشريعة وحماية للمصلحة العامة
أصدرت المحكمة الدستورية العليا العديد من الأحكام التي رسخت المبادئ التالية:
1. تعدد الزوجات أصل شرعي مقرر بنص قرآني صريح، ولا يجوز إلغاؤه أو تقييده بما يعارض نصاً قطعياً.
2. المصلحة الحقيقية هي ما قررته الشريعة، وليس ما تهواه الأهواء أو المصالح الظرفية غير المستندة لدليل. فالتشريع الإلهي يأتي لموازنة الحاجات البشرية وضمان استقرار الأسرة والمجتمع.
3. معارضة الزوجة للتعدد بغير عذر شرعي مقبول (كخوف الضرر أو عدم القدرة على العدل) لا تمنع الزوج من ممارسة حقه الشرعي، طالما التزم بحدود الله وقاعدة العدل.
4. التعدد ليس تشريعاً ظرفياً يرتبط بمناسبة نزول الآية فقط، بل هو حكم عام يصلح لكل زمان ومكان، جوهره العدل وهدفه استقرار البناء الأسري وتكافل المجتمع.
وقد لخصت المحكمة في أحد أحكامها المرجعية: "ما يجوز شرعاً لا يؤول إعناتاً، ولا وجه للقول بأن الشريعة تناقض مصالح العباد، فإن ما يأذن به الله يكون نفعه غالباً، ولا يعتبر قريناً للإيذاء إلا إذا انحرف عن شرط العدل" (القضية رقم 35 لسنة 9 ق.د).
رابعاً: ضوابط تطبيقية لمنع الانحراف
رغم إباحتها، فإن الشريعة والقضاء وضعا ضوابط عملية لضمان عدم تحول التعدد إلى وسيلة للظلم كالقدرة المادية والمعنوية.
خاتمة: بين الحق والمسؤولية
تعدد الزوجات في الإسلام ليس عادة جاهلية ولا تشريعاً تعسفياً، بل هو رخصة مشروطة جاءت لتحقيق مصالح متعددة: رعاية الأرامل واليتامى، معالجة الخلل العددي بين الجنسين، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، كل ذلك في إطار ضيق هو العدل المطلق .
والقضاء الدستوري المصري، من خلال أحكامه الرصينة، لم يبتدع جديداً، بل أكد أن الشريعة الإسلامية نظام متكامل يوازن بين الحقوق والواجبات، وأن أي محاولة لفهم النصوص خارج سياقها الكلي أو تجاهل شروطها تؤدي إلى انحراف عن مقاصد الشرع.
على المجتمع أن ينظر إلى التعدد عبر عدلة الفقه والقانون لا عبر مشاعر آنية أو ثقافات وافدة، وأن يعمل على تفعيل ضوابط العدالة والشفافية، لضمان أن يظل هذا التشريع الإسلامي رحمة ومصلحة، لا سبباً للشقاق أو الظلم. فالدين يسر، والعدل أساس كل تشريع، ومن عدل فقد عدل بين الناس وبين ربه.
أحكام المحكمة الدستورية في تعدد الزوجات
وقد أصدرت المحكمة الدستورية العليا العديد من الأحكام التي تؤيد ما أقرته الشريعة الإسلامية و ما ورد بالنصوص القرآنية.
ومن هذه الأحكام:
(١) الموجز : تعدد الزوجات أصل شرعته النصوص القرآنية _ النصوص لا تفيد نهياً عن الجمع و لا أمرت بإتيانه ولكنها إذن بالتعدد .
_ القاعدة : الأصل في تشريع تعدد الزوجات هو النصوص القرآنية إذ يقول تعالي فيما أوحي به إلى محمد عليه السلام " و إن خفتم الأ تقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدني ألا تعولوا " وكانت صيغة الأمر تفيد طلب وقوع المأمور به و الإمتناع عما يضاده، ما لم يقم دليل علي وجود قرينة تصرفها عن أصل وضعها إلي الاباحة، وهو ما قرره بعض الفقهاء بقولهم ان صيغة الأمر حقيقة في طلب الفعل، مجاز فيما سواه، وأن افادتها الإباحة بطريق المجاز يحتاج إلى قرينة، وكانت الآية السابقة لا تفيد نهياً عن الجمع بين أكثر من زوجة، ولا طلباً لازماً لإتيان هذا الفعل، ولكنها إذن بالتعدد.
(٢) الموجز : شريعة إسلامية – تعدد الزوجات – ضوابطه - ما ثبت بالنص القرآني هو المصلحة الحقيقية التي لا تبديل فيها – تعدد الزوجات شرعه الله لمصلحه قدرها في إطار من الوسطية وأقامه علي قاعدة العدل وقيده بالأمن من الجور .
القاعدة : من المقرر أن الله تعالي ماشرع حكماً إلا لتحقيق مصالح العباد، وما أهمل مصلحة إقتضتها أحوالهم دون أن يورد في شأنها حكماً و كان مسلماً كذلك أن ما كان ثابتاً بالنص هو المصلحة الحقيقية التي لا تبديل لها، وأن العمل علي خلافها ليس إلا تعدياً علي حدود الله، وكانت المصلحة التي تعارض النصوص القرآنية لا تعتبر مصلحة حقيقية، ولكنها أدخل إلي أن تكون تشهياً و إنحرافاً فلا يجوز تحكيمها، و كان الله تعالي حين أذن بالتعدد شرع ذلك لمصلحة قدرها مستجيباً بها لأحوال النفس البشرية، فأقره في إطار من الوسطية التي تلتزم حد الإعتدال، جاعلاً من التعدد – وهو ليس إلا جمعاً بين أكثر من زوجة بما لا يجاوز الأربع – حقاً لكل رجل و محليته كل امرأة من الحرائر يستطيبها و تحل له شرعاً – و لو لم تكن يتيمة يتحرج من أكل أموالها و ظلمها بل ولم يكن ولياً عليها - غير مقيد في ذلك بما وراء الأمن من الجور بين من يضمهن إليه باعتبار أن الأصل في المؤمن العدل بين من ينكحهن ليكون أعون علي بقاء أصل الاستقرار و الإطمئنان، فإن لم يأمن العدل فعليه بواحدة لا يزيد عليها حتي لا يميل لغيرها كل الميل ومن ثم كان التعدد مقرراً بنصوص قرآنية صريحة لا يرتبط تطبيقها بمناسبة نزولها و لكنها تعد تشريعاً إلهياً لكل زمان و مكان جوهره العدل وهو ليس إلا قولاً معروفاً و إمتثالاً لأوامر الله تعالي مع مجانبة نواهيه وكلما إستقام التعدد علي قاعدة العدل - وهي قيد علي الحق فيه و لا تعد سبباً لنشوئه – كان نافياً للجور و الميل وإستحال أن يتمحض طلماً أو ينحل إلي إضرار بالزوجة التي تعارض إقتران زوجها بغيرها، ذلك أن ما يجوز شرعاً لا يؤول إعناتاً، ولا وجه للقول بأن الشريعة الغراء – وغايتها إصلاح شئون العباد وتقويمها – تناقض في تطبيقاتها العملية مصالحهم و تعارضها، ولأن ما ينهانا الله عنه يكون ضرره راجحاً وما يأمرنا به وجوباً أو علي سبيل الإباحة إنما يكون يكون نفعه غالباً ولا يعتبر بالتالي قريناً لإيذاء أو مضارة أو سبباً لأيهما وإلا ابتعد عن مصالح العباد وكان سعياً لما يناقضها و مدخلاً إلي مفاسد مقطوع بها أو راجحاً وقوعها بقدر الإثم الملابس لها أو المحيط بها و هو ما ينزهه الله تعالي عنه حين أذن بالتعدد و جعل الحق فيه – مع الأمن من الجور – مكتملاً ولو عارضته الزوجه التي علي العصمة .

تعليقات
إرسال تعليق