القائمة الرئيسية

الصفحات

الجرائم المخلة بالشرف .. قراءة في أحكام المحكمة الإدارية العليا

الجرائم المخلة بالشرف .. قراءة في أحكام المحكمة الإدارية العليا

غلاف مقال بعنوان الجرائم المخلة بالشرف .. قراءة في أحكام المحكمة الإدارية العليا


مقدمة:

إذا سألت معظم المحامين عن "الجرائم المخلة بالشرف"، فستتلقى إجابة شبه موحدة تتمثل في سرد مجموعة من الجرائم واعتبارها هي القائمة المعتمدة. ويعتقد البعض أن هذه الجرائم محددة في القانون على سبيل الحصر، أو حتى على سبيل المثال الحاسم. 

ولكن في الحقيقة القانونية، لم يضع المشرع معياراً محدداً أو قائمة حصرية للجريمة المخلة بالشرف.

بل إن تقدير ما إذا كانت الجريمة تمس الشرف من عدمه، يستهدي فيه القاضي الإداري بما درج عليه "ضمير الجماعة"، وبما استقر عليه الفقه القضائي للمحكمة الإدارية العليا.

في هذا المقال، نسلط الضوء على المعيار القانوني للجرائم المخلة بالشرف، وكيف نظرت إليها المحكمة الإدارية العليا من خلال مجموعة من أهم أحكامها التاريخية.

أولاً: المعيار القانوني.. كيف تُعرّف الإدارية العليا "الجريمة المخلة للشرف"؟

لم يرد في قانون العقوبات أو غيره تعريف جامع مانع للجرائم المخلة بالشرف كما هو الحال في الجنايات. لذلك، تكفلت المحكمة الإدارية العليا بوضع التعريف والضابط القانوني لها.

فقضت بأن الجرائم المخلة بالشرف هي تلك التي ترجع إلى "ضعف في الخلق وانحراف في الطبع". 

ولكن هذا التعريف ليس مطلقاً، بل يخضع لاعتبارات نسبية يراعيها القاضي الإداري، تشمل:

1. نوع الجريمة والظروف التي ارتكبت فيها.

2. الأفعال المكونة لها.

3. مدى كشفها عن التأثر بالشهوات والنزوات وسوء السيرة.

4. طبيعة الوظيفة العامة ونوع العمل الذي يؤديه المحكوم عليه، والحد الذي ينعكس إليه أثر الجريمة على مرفق العمل.

ثانياً: موقف المشرع وسلطة الإدارة (متى تنتهي خدمة الموظف؟)

في حكم تاريخي لها (الطعن رقم 1413 لسنة 7 ق - جلسة 24/4/1965)، أوضحت المحكمة الإدارية العليا الفارق الجوهري في أثر الأحكام الجنائية على الوظيفة العامة وفقاً للقانون رقم 210 لسنة 1951 (والقوانين اللاحقة له):

الحالة الأولى: الحكم في جناية.

 متى ثبت وصف الجناية على الفعل، فإن الحكم يؤدي حتماً إلى عزل الموظف العام، سواء كانت الجناية مخلة بالشرف أو غير مخلة به. (فتتساوى هنا جناية القتل العمد، وجناية إحراز سلاح دون ترخيص، وجناية هتك العرض في أثرها بإنهاء الخدمة).

الحالة الثانية: الحكم في جنحة أو مخالفة.

هنا تنتهي الخدمة فقط إذا قدرت الجهة الإدارية أن الجريمة مخلة بالشرف. 

تنبيه قانوني هام: سكت القانون عن وضع تعريف للجريمة المخلة بالشرف، ولكن هذا السكوت لا يعني البتة استقلال السلطة الإدارية بتكييف الجريمة بشكل مطلق، بل تخضع هذه السلطة لرقابة القاضي الإداري عند الطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية.

ثالثاً: تطبيقات عملية.. كيف ميزت الإدارية العليا بين الجرائم؟

لتقريب الصورة، نستعرض كيف طبقّت المحكمة الإدارية العليا هذا المعيار المرن على وقائع مختلفة:

1. جريمة إصدار شيك بدون رصيد (مخلة بالشرف)

في (الطعن رقم 11 لسنة 10 ق - جلسة 5/11/1966)، قضت المحكمة بأن جريمة إصدار شيك بلا رصيد (المادة 337 عقوبات) هي كجريمة النصب، تقتضي الالتجاء إلى الكذب كوسيلة لسلب مال الغير. 

وبالتالي، فهي لا تصدر إلا عن انحراف في الطبع وضعف في النفس، وتكون في ضوء التعريف جريمة مخلة بالشرف تستوجب إنهاء الخدمة.

 2. جريمة تبديد منقولات الزوجة (غير مخلة بالشرف)

في (الطعن رقم 771 لسنة 12 ق - جلسة 22/1/1972)، واجهت المحكمة حالة جنحة تبديد منقولات الزوجة.

وقضت بأن هذه الجريمة تكون دائماً نتيجة المصادمات والمنازعات بين الزوجين، وتقع في محيط الأسرة وجوها العائلي. 

لذلك، ورغم أن القانون وصفها بأنها "جريمة تبديد"، إلا أن صلة الزوجية والاعتبارات العائلية والحفاظ على كيان الأسرة تجعلها غير معتبرة كجريمة مخلة بالشرف.

3. أثر الجريمة على التراخيص المهنية (المنشآت السياحية)

ولم يقتصر الأمر على الوظيفة العامة فحسب، بل امتد إلى منح التراخيص. ففي (الطعن رقم 862 لسنة 29 ق - جلسة 12/1/1985)، والخاص بتحظر منح ترخيص للمنشآت الفندقية والسياحية للمحكوم عليهم في جريمة مخلة بالأمانة أو الشرف، أعادت المحكمة تأكيد نفس المعيار: (ضعف الخلق، انحراف الطبع، التأثر بالشهوات، وسوء السيرة)، لحماية المرفق السياحي من أي شبهة.

 خلاصة القول:

إن "الجريمة المخلة بالشرف" ليست قائمة جامدة تُسرد في كتاب، بل هي مفهوم قانوني مرن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأخلاق العامة، وضمير الجماعة، وطبيعة الوظيفة أو النشاط المراد ممارسته. 

المشرع ترك الباب مفتوحاً للإدارة لتقدير مدى مساس الجريمة بالشرف، لكنه في الوقت ذاته وضع "صمام أمان" وهو رقابة القاضي الإداري، لضمان عدم تعسف الإدارة، وتطبيق المعيار الأخلاقي والقانوني بعدالة وموضوعية.

بعض أحكام المحكمة الإدارية العليا بشأن الجرائم المخلة بالشرف:

الطعن رقم 0011 لسنة 10 مكتب فنى 12 صفحة رقم 55

بتاريخ 05-11-1966

 الموضوع : انتهاء خدمة

الموضوع الفرعي : اسباب انتهاء الخدمة

فقرة رقم : 1

 تكفل المشرع فى قانون العقوبات بتحديد الجنايات فى وضوح و جلاء . أما الجرائم المخلة بالشرف فلم تحدد فى هذا القانون أو فى سواه تحديدا جامعا مانعا كما كان من شأنه بالنسبة للجنايات ، على أن المتفق عليه أنه يمكن تعريف هذه الجرائم بأنها هى تلك التى ترجع إلى ضعف فى الخلق و انحراف فى الطبع . و الشخص إذا إنحدر إلى هذا المستوى الأخلاقى لا يكون أهلا لتولى المناصب العامة التى تقتضى فيمن يتولاها أن يكون متحليا بالأمانة و النزاهة و الشرف و إستقامة الخلق و لما كانت جريمة أصدار شيك بلا رصيد المنصوص عليها فى المادة 337 من قانون العقوبات هى - كجريمة النصب - تقتضى الالتجاء إلى الكذب كوسيلة لسلب مال الغير فهى لذلك لا تصدر الا عن انحراف فى الطبع وضعه فى النفس ، و من ثم فإنها تكون فى ضوء التعريف - سالف الذكر - مخلة بالشرف .

 ***********

الطعن رقم 1413 لسنة 07 مكتب فنى 10 صفحة رقم 1113

بتاريخ 24-04-1965

 الموضوع : انتهاء خدمة

الموضوع الفرعي : اسباب انتهاء الخدمة

فقرة رقم : 2

نص الفصل الثامن من القانون نظام موظفى الدولة رقم 210 لسنة 19511 على إنهاء خدمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة و نصت المادة 107 منه على أن " تنتهى خدمة الموظف المعين على وظيفة دائمة لأحد الأسباب الآتية : "1" بلوغ السن المقررة لترك الخدمة .. "8" الحكم عليه جناية أو فى جريمة مخلة بالشرف ..... "9" الموت ...... " . و مؤدى ذلك أن الحكم الجنائى يؤدى إبتداء من أول يوليو سنة 1952 وفقاً لأحكام القانون الإدارى ، إلى عزل الموظف العام فى حالتين : "أ" إذا كان حكما صادراً فى جناية . و الجنايات هى الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤيدة أو الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن "المادة العاشرة من قانون العقوبات" فمتى ثبت هذا الوصف فى الفعل المنسوب إلى الموظف العام و الذى جوزى عليه من أجله فلا مفر من أن يؤدى الحكم الصادر عليه بإدانته إلى عزله ، سواء تضمن الحكم توقيع عقوبة جناية ، أى عقوبة من العقوبات الأربعة السالف ذكرها ، أم تضمن توقيع عقوبة جنحة الحبس الذى يزيد أقصى مدته على أسبوع ، أو الغرامة التى يزيد أقصى مقدارها على جنيه واحد - فقد يحدث ذلك فى حالات معينة نص عليها القانون و من بينها حالة الطاعن فى الطعن الراهن . و واضح من نص المادة 107 أن المشرع فى القانون رقم 210 لسنة 1951 لم يفرق بين الأحكام الصادرة فى جناية من حيث أثرها على مركز الموظف تبعاً لنوع العقوبة التى تتضمنها ، و هو كذلك لم يفرق بين جناية و جناية تبعاً لكونها مخلة بالشرف أو غير مخلة به .

فتتساوى فى الأثر جناية القتل العمد ، و جناية الرشوة كما تتساوى جناية إحراز سلاح دون ترخيص ، و جناية هتك العرض . فكلها أحكام صادرة فى جنايات و كلها تنهى العلاقة حتماً و يحكم القانون بين الموظف و الدولة . "ب" إذا كان الحكم صادراً فى جنحة أو مخالفة و قدرت الجهة الإدارية التابع لها الموظف أن الجريمة فى أى من هاتين الحالتين مخلة بالشرف . و قد سكت القانون عن وضع تعريف للجريمة المخلة بالشرف كما سكت عن تقديم أمثلة للجريمة التى تتسم بهذا الوصف . إلا أن ذلك لا يعنى البتة إستقلال السطلة الإدارية بتكييف الجريمة بل هى تخضع لرقابة القاضى الإدارى عند الطعن أمامه بالإلغاء .

***********

الطعن رقم 0771 لسنة 12 مكتب فنى 17 صفحة رقم 169

بتاريخ 22-01-1972

 الموضوع : انتهاء خدمة

الموضوع الفرعي : اسباب انتهاء الخدمة

فقرة رقم : 2

 إن الجرائم المخلة بالشرف لم تحدد فى قانون العقوبات أو فى أى قانون سواه تحديداً جامعاً مانعاً كما أنه من المتعذر و ضع معيار مانع فى هذا الشأن على أنه يمكن تعريف هذه الجرائم بأنها هى تلك التى ترجع إلى ضعف فى الخلق و إنحراف فى الطبع مع الأخذ فى الإعتبار طبيعة الوظيفة و نوع العمل الذى يؤديه العامل المحكوم عليه و نوع الجريمة و الظروف التى إرتكبت فيها و الأفعال المكونة لها و مدى كشفها عن التأثر بالشهوات و النزوات و سوء السيرة و الحد الذى ينعكس إليه أثرها على العمل و غير ذلك من الاعتبارات .

و من حيث أن جنحة تبديد منقولات الزوجة تكون دائماً نتيجة المصادمات و المنازعات التى تقع بين الزوجين و هى تقع دائماً فى محيط الأسرة و جوها العائلى و من ثم فإنها و إن وصفها القانون بأنها جريمة تبديد إلا أن ذلك لا يعتبر كافياً بذاته لإعتبارها جريمة مخلة بالشرف و مرد ذلك كله صلة الزوجية و الإعتبارات العائلية و الحفاظ على كيان الأسرة .

***********

الطعن رقم 0862 لسنة 29 مكتب فنى 30 صفحة رقم 372

بتاريخ 12-01-1985

الموضوع : ترخيص

القانون رقم 1 لسنة 1973 بشأن المنشآت الفندقية و السياحة - قرار وزير السياحة رقم 1811 لسنة 1973 بشأن شروط و إجراءات الترخيص بالمنشآت الفندقية و السياحة

تحظر المادة 37 منه منح الترخيص إلى الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبة جنائية أو جريمة مخلة بالأمانة أو بالشرف و لم يرد إليهم إعتبارهم - الجرائم المخلة بالأمانة أو الشرف هى تلك التى ترجع إلى ضعف فى الخلق و إنحراف فى الطبع مع الأخذ فى الإعتبار نوع الجريمة و الظروف التى إرتكبت فيها و الأفعال المكونة لها و مدى كشفها عن التأثر بالشهوات و النزوات و سوء السيرة - مثال لما لا يعتبر من الجرائم المخلة بالشرف أو الأمانة .

( الطعنان رقما 862 و 872 لسنة 29 ق ، جلسة 1985/1/12 )

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع