الرقابة القضائية على أعمال تصحيح الإمتحانات: بين حرمة التقييم الفني واستثناءات الخطأ المادي والانحراف بالسلطة
(دراسة تحليلية في ضوء الطعن رقم ٧٧٥٥ لسنة ٧١ ق، الصادر بتاريخ ٢٠٢٥/٩/٢٤ - الدائرة السادسة)
تُعد أعمال الامتحانات والتصحيح من أكثر المواضيع التي تشغل بال الطلاب وأولياء الأمور، وتُثير بشكل متكرر اللجوء إلى القضاء الإداري. وفي هذا السياق، يرسم مجلس الدولة (القضاء الإداري) خطاً فاصلاً ودقيقاً بين "السلطة التقديرية والفنية" للجان التصحيح، و"رقابة المشروعية" التي يمارسها القاضي.
ويستقر الاجتهاد القضائي للمجلس، كما تجلى مؤخراً في الطعن رقم ٧٧٥٥ لسنة ٧١ ق (بتاريخ ٢٠٢٥/٩/٢٤ - الدائرة السادسة)، على قاعدة جوهرية مفادها: "القضاء الإداري لا يتدخل في تقييم الإجابات أو تقديرها إلا في حال ثبوت وجود أخطاء مادية أو إساءة استخدام السلطة (الانحراف بها) من قبل الجهة الإدارية".
أولاً: القاعدة العامة: استقلال لجان التصحيح وحصانتها من الرقابة الموضوعية
ينطلق القضاء الإداري في عدم تدخله في جوهر التصحيح من منطق قانوني وفني بحت؛ وهو أن قاضي القانون ليس قاضياً للفن أو للتخصص.
لجان النظام والمراقبة ولجان التصحيح تُشكل من أساتذة ومتخصصين في المواد العلمية والأدبية، وهم الأقدر على تقدير مدى صحة الإجابة، وقوة الحجة، ومدى مطابقتها للنموذج الاسترشادي.
لذلك، فإن تقدير المصحح للإجابة (سواء بقبولها أو رفضها، أو منحها درجة كاملة أو جزئية) يدخل في دائرة السلطة التقديرية والفنية التي لا تملك المحكمة الإدارية مراجعتها أو تعديلها، ما لم يتم تجاوز الحدود القانونية.
ثانياً: الاستثناءات: متى يرفع القضاء الإداري يده عن هذه الحصانة؟
رغم أن القاعدة هي عدم التدخل، إلا أن هذا لا يعني أن لجان التصحيح هي "سلطة مطلقة" لا تُسأل. فقد حدد القضاء الإداري، وفي مقدمته الطعن المذكور، حالتين فقط يفتح فيهما باب الرقابة ويتدخل في عملية التصحيح:
1. وقوع خطأ مادي (Material Error)
الخطأ المادي هو الخطأ الحسي الظاهر الذي يقع فيه الإنسان العادي ولا يحتاج إلى تقدير فني لإثباته. وفي سياق التصحيح، يتدخل القضاء إذا ثبت أن الخطأ المادي قد أثر على درجة الطالب. ومن أمثلته:
الخطأ في جمع الدرجات: أو نقل الدرجات من كراسة الإجابة إلى ورقة المرآة أو بيان الدرجات.
إغفال تصحيح جزء من الورقة: كأن يكتشف الطالب أو المحكمة أن صفحة كاملة أو سؤالاً بأكمله لم يتم تصحيحه من الأساس.
مخالفة النموذج الاسترشادي بشكل مادي: إذا كانت الإجابة في النموذج الرسمي المعتمد من الوزارة/الجامعة مطابقة حرفياً لإجابة الطالب، وقام المصحح بتخطيها أو إعطاؤها صفراً دون أي مسوغ فني أو تفسير.
الخطأ في رصد الدرجات: كأن تكون الدرجة المكتوبة بالحروف تخالف الدرجة المكتوبة بالأرقام.
2. الانحراف بالسلطة أو إساءة استخدامها
يحدث الانحراف بالسلطة عندما يستخدم المصحح صلاحياته في التصحيح لغرض لم تُمنح له هذه الصلاحيات. وهنا يتدخل القضاء الإداري لحماية الطالب من التعسف.
ومن صور ذلك:
التعصب أو التمييز: أن يحرم المصحح طالباً من درجاته بسبب انتمائه الديني، أو الجنسي، أو العرقي، أو بسبب اسم العائلة.
الثأر الشخصي: إذا ثبت أن المصحح قصد الإضرار بالطالب بسبب عداوة سابقة أو خلاف شخصي.
التصحيح على أساس غير علمي: كأن يرفض المصحح إجابة صحيحة لمجرد أنها تختلف في الصياغة عن ما يدور في ذهنه، دون مبرر علمي أو أكاديمي، أو أن يصحح بناء على معتقدات شخصية لا علاقة لها بالمادة الدراسية.
ثالثاً: دلالات الطعن رقم ٧٧٥٥ لسنة ٧١ ق (الدائرة السادسة - ٢٠٢٥)
يُعد هذا الطعن الصادر مؤخراً عن الدائرة السادسة بالمحكمة الإدارية العليا/القضاء الإداري، ترسيخاً وتجديداً لهذا المبدأ الراسخ. وتكمن أهمية هذا الحكم في عدة نقاط:
1. حماية كيان الامتحانات من الفوضى: لو سمح القضاء لنفسه بإعادة تقييم كل إجابة بناءً على رغبة الطالب، لتعطلت نتائج الامتحانات ولتداخل القاضي في عمل لجان متخصصة، مما يهدر مبدأ "حجية أعمال اللجان الفنية".
2. ترشيد الدعاوى القضائية: وجه الحكم رسالة واضحة للمدعين بأن مجرد "عدم قناعتهم" بالدرجة التي حصلوا عليها لا يكفي لرفع الدعوى، بل يجب إرفاق "دليل مادي" أو "قرائن جدية" على الانحراف بالسلطة.
3. تأكيد حدود الرقابة: (أعاد التأكيد) أن المحكمة لا تملك أن تحل محل المصحح لتقول "هذه الإجابة تستحق 5 درجات بدلاً من 3"، بل تملك فقط أن تقول "لقد وقع خطأ مادي في الجمع" أو "لقد تم الانحراف بالسلطة"، وبناءً عليه تأمر بإعادة التصحيح أو تكليف خبير.
رابعاً: الآلية الإجرائية: كيف يتدخل القضاء عند ثبوت الاستثناء؟
إذا أقام الطالب دعواه أمام المحكمة الإدارية، ونجح في إثبات وجود "خطأ مادي" أو "انحراف بالسلطة" (غالباً ما يتم ذلك عبر طلب ندب خبير قضائي متخصص أو لجنة علمية من الوزارة)، فإن المحكمة لا تقوم هي بالتصحيح.
بل تصدر حكماً بـ:
1. إلغاء النتيجة السلبية الخاصة بالطالب في المادة.
2. إعادة التصحيح بواسطة لجنة جديدة محايدة، أو التصحيح بمعرفة الخبير الذي ندبته المحكمة، أو لجنة علمية مشكلة من أساتذة الجامعات، مع إلزام الجهة الإدارية (الوزارة أو الجامعة) بتنفيذ ذلك واعتبار الدرجة الجديدة هي الدرجة النهائية.
خاتمة
إن المبدأ الذي أقره القضاء الإداري، وتجدد في الطعن رقم ٧٧٥٥ لسنة ٧١ ق، يمثل توازناً دقيقاً بين احترام الطبيعة الفنية والأكاديمية للجان التصحيح، وبين ضمان حقوق الطلاب في الحصول على تقييم عادل وخالي من العيوب المادية أو التعسف.
فالقضاء الإداري يضع يده على "الضمانات الإجرائية والمادية" للتصحيح، تاركاً "التقدير العلمي والفني" لأهله من المتخصصين، وبذلك يحقق العدالة الناجزة دون أن ينقلب إلى "لجان نظام ومراقبة بديلة".

تعليقات
إرسال تعليق