القائمة الرئيسية

الصفحات

الجمعية العمومية تفتي : بعدم أحقية المقاول في تقديم جدول معاملات تغيير الأسعار أثناء تنفيذ العقد

غلاف مقال بعنوان الجمعية العمومية تفتي : بعدم أحقية المقاول في تقديم جدول معاملات تغيير الأسعار  أثناء تنفيذ العقد

الجمعية العمومية تفتي : بعدم أحقية المقاول في تقديم جدول معاملات تغيير الأسعار  أثناء تنفيذ العقد

الحدود الفاصلة بين الإعفاء الإجرائي والآليات الموضوعية في عقود المقاولات : قراءة تحليلية في فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع رقم 716 لسنة 2025 بتاريخ فتوى 2025/06/11 وتاريخ جلسة 2025/05/28 ورقم الملف 32/2/5883

تُعد عقود المقاولات التي تُبرمها جهات الدولة من أكثر العقود حساسية من الناحية المالية والقانونية، نظراً لارتباطها المباشر بالمال العام. وقد أجاز المشرع المصري بموجب القانون رقم 182 لسنة 2018 (قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة) التعاقد بالاتفاق المباشر بين جهات الدولة إعفاءً لها من بعض الإجراءات. ولكن، هل يمتد هذا الإعفاء ليشمل القواعد الموضوعية والآمرة التي تحكم "تنفيذ" العقد، وعلى رأسها قواعد تعديل الأسعار؟ 

هذا التساؤل هو جوهر النزاع الذي حسمته الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في فتواها الحديثة رقم 716 لسنة 2025، والخاصة بالنزاع بين الهيئة العامة للتأمين الصحي وجهاز المخابرات العامة، والتي أرست من خلالها مبادئ راسخة في التمييز بين "إجراءات التعاقد" و"قواعد التنفيذ".

أولاً: وقائع النزاع

تعود وقائع الموضوع إلى قيام الهيئة العامة للتأمين الصحي بإسناد مشروع "تحويل مستشفى التأمين الصحي بالإسماعيلية إلى مركز إعادة تأهيل" إلى جهاز المخابرات العامة بالاتفاق المباشر وفقاً لأحكام المادة (78) من القانون رقم 182 لسنة 2018، بمبلغ إجمالي تجاوز 333 مليون جنيه، ومدة تنفيذ 18 شهراً.

وأثناء تنفيذ المشروع، تقدم جهاز المخابرات بـ "جدول معاملات تغيير الأسعار" للمطالبة بفروق الأسعار. إلا أن الهيئة رفضت ذلك لمخالفته المادة (47) من القانون والمادة (97) من لائحته التنفيذية، بحجة أن الجهاز لم يقدم "معاملات أوزان عناصر التكلفة" ضمن مستندات التعاقد الأصلية. 

تمسك الجهاز بحقه في التعديل مستنداً إلى أن التعاقد تم بموجب المادة (78) التي تعفي الجهات من "الإجراءات والحدود المالية" الواردة بالقانون، مما يجيز له -من وجهة نظره- تقديم جدول المعاملات أثناء التنفيذ.

ثانياً: الإشكالية القانونية

تتمحور الإشكالية حول نطاق الإعفاء المنصوص عليه في المادة (78) من قانون التعاقدات العامة.

فهل عبارة "دون التقيد بالإجراءات والحدود المالية الواردة بهذا القانون" تُعد رخصة مطلقة تتجاوز بها الجهات المتعاقدة الأحكام الموضوعية والآمرة التي وضعها المشرع لتنظيم "فروق الأسعار" وحماية المال العام؟ وهل يجوز للمقاول (حتى لو كان جهة سيادية) استحداث شروط تنفيذية (كجدول معاملات الأسعار) بعد إبرام العقد وانتهاء مرحلة الطرح؟

ثالثاً: حيثيات الفتوى ومنطق مجلس الدولة

جاءت فتوى الجمعية العمومية لتحسم هذه الإشكالية بمنطق قانوني سليم، يرتكز على عدة أسس جوهرية:

1. التمييز بين "إجراءات الطرح" و"قواعد التنفيذ":

أوضحت الفتوى أن المادة (78) أعفت التعاقد المباشر بين جهات الدولة من الإجراءات الشكلية للطرح (كالمناقصات والممارسات) والحدود المالية للقيمة، ولكن هذا الإعفاء لا يمتد بأي حال من الأحوال إلى الأحكام الموضوعية التي تحكم تنفيذ العقد بعد إبرامه. فقواعد تعديل الأسعار ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي ضوابط جوهرية.

2. الطبيعة الآمرة وقواعد النظام العام:

اعتبرت الفتوى أن القواعد المنظمة لتعديل الأسعار (المادة 47 من القانون، والمادة 97 من اللائحة التنفيذية) هي من النظام العام التعاقدي، فهي السبيل الوحيد الذي أجازه المشرع لإعادة تقدير قيمة العقد أثناء التنفيذ، وتهدف إلى تحقيق الشفافية وحماية المال العام. 

ومن ثم، فلا يجوز لأي طرفين -مهما كانت صفتهم- التحلل منها أو الاتفاق على ما يخالفها.

3. الاستحالة القانونية لتقديم المعاملات أثناء التنفيذ:

اشترط المشرع ولائحته التنفيذية أن يضع المقاول "معاملات أوزان عناصر التكلفة" في المظروف الفني أو مستندات التعاقد ابتداءً. ورتب المشرع على تخلف هذا الشرط جزاءً جسيماً هو "البطلان" أو "استبعاد العطاء". وأكدت الفتوى أن تقديم هذه المعاملات أثناء التنفيذ وبعد فوات أوانه يُعد "مانعاً موضوعياً" و"استحالة قانونية" تحول دون تطبيق معادلة فروق الأسعار، لأن السماح بذلك يفتح الباب للتلاعب ويخالف الأحكام الآمرة.

4. بطلان الشروط العقدية المخالفة:

ورداً على حجة الجهاز بأن "البند الثاني من العقد" أجاز له المطالبة بتعديل الأسعار، أكدت الفتوى أن هذا الشرط العقدي يقع باطلاً لمخالفته صريحة للشروط الموضوعية الآمرة التي نص عليها القانون ولائحته، والتي رتب المشرع على مخالفتها البطلان صوناً للمال العام.

رابعاً: الدروس المستفادة والتوجيهات العملية

تُعد هذه الفتوى بمثابة "مرشد عملي" للجهات الإدارية وشركات المقاولات، وتُرسخ المبادئ التالية:

1. الاتفاق المباشر ليس "منطقة حرة":

التعاقد المباشر بين جهات الدولة للمادة 78 يهدف لتسهيل وتسريع إنجاز المشاريع القومية، ولكنه لا يُسقط التطبيق الصارم لقواعد حماية المال العام وآليات التنفيذ الموضوعية.

2. الالتزام المسبق بمعاملات الأسعار: 

على الجهات الإدارية، حتى في عقود الاتفاق المباشر، أن تحدد "البنود المتغيرة" وتلزم المقاول بتقديم "معاملات أوزان التكلفة" ضمن مستندات التعاقد الأصلية، وإلا فإن الباب سيُغلق قانوناً أمام أي مطالبة بفروق أسعار مستقبلاً.

3. حماية المال العام فوق كل اعتبار:

تأكيد مجلس الدولة على أن قواعد تعديل الأسعار هي من النظام العام، يعكس الفلسفة التشريعية التي تضع حماية المال العام والشفافية في صدارة أولوياتها، بغض النظر عن طبيعة الأطراف المتعاقدة.

خاتمة:

خلصت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى عدم أحقية جهاز المخابرات العامة في تقديم جدول معاملات تغيير الأسعار أثناء تنفيذ المشروع.

إن هذه الفتوى تُجسد الدور الرائد لمجلس الدولة في توحيد التطبيق القانوني، وحماية المال العام، ووضع الحدود الفاصلة التي تضمن توازن العقد دون المساس بالأسس الآمرة التي وضعها المشرع.

للإطلاع علي فتوي الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة رقم ٧١٦ لسنة ٢٠٢٥ ملف رقم ٣٢/٢/٥٨٨٣

تعليقات

التنقل السريع